مجد الدين ابن الأثير

164

المختار من مناقب الأخيار

وقال عامر بن سعد : انتهى سعد إلى قوم عكوف على رجل ، فأدخل رأسه من بين اثنين ، فإذا هو يسبّ عليّا وطلحة والزّبير فنهاه ، فرفع إليه رأسه وقال : تهدّدني كأنما يهدّدني نبي ؟ ! فانصرف سعد فتوضّأ ثم صلّى ركعتين ، ثم رفع يده فقال : اللهمّ إن كنت تعلم أنّ هذا الرجل قد سبّ أقواما سلف لهم منك سابقة أسخطك سبّه إياهم ، فأره اليوم آية تكون آية للعالمين . فخرجت بختيّة نادّة من دار آل فلان لا يردّها شيء ، حتى دخلت بين أضعاف الناس ، فافترق الناس عنها ، وهو بين قوائمها ، فلم تزل تذعته حتى مات « 1 » . قال : فرأيت الناس يشتدّون وراء سعد ويقولون : يا أبا إسحاق ! أجاب اللّه دعاءك ، يا أبا إسحاق ! أجاب اللّه دعاءك « 2 » . وقال سعد : كنّا قوما يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وشدة ، فلما أصابنا البلاء اعترفنا لذلك ومرنّا عليه وصبرنا له ، ولقد رأيتني مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خرجت من الليل أبول ، و [ إذ ] أنا أسمع قعقعة شيء تحت بولي ، فإذا قطعة جلد بعير ، فأخذتها فغسلتها فوضعتها بين حجرين ، ثم استفيتها « 3 » وشربت عليها من الماء ، فبقيت عليها ثلاثا « 4 » . وقال ابن سيرين : قيل لسعد بن أبي وقّاص رضي اللّه عنه : ألا تقاتل ؟ فإنّك من أهل الشورى وأنت أحقّ بهذا الأمر من غيرك ؟ فقال : لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان ، يعرف المؤمن من الكافر ، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد « 5 » .

--> ( 1 ) ذعته : من الذّعت ، وهو الدفع العنيف والغمز الشديد . ويقال : ذعته في التراب يذعته ذعتا : معكه معكا . اللسان ( ذعت ) . ( 2 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 1 / 140 برقم 307 بنحوه ، وأخرجه ابن عساكر ( المختصر 9 / 264 ) عن سعيد بن المسيّب . ( 3 ) في ( ل ) : « أسفّها » وكلاهما بمعنى . ( 4 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 93 . ( 5 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 1 / 144 برقم 322 وأبو نعيم الحلية 1 / 94 .